ابن قيم الجوزية

232

الروح

فإن قيل : فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة . قيل : سنبين إن شاء اللّه تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا . وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها ، وقدر كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له ، ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد ، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة ، كما قاله أبو محمد بن حزم ، فهل تحمل الآثار ما لا طاقة لها به ؟ نعم ، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا ، فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق ، كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته ، فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لا تزيد عليه ولا تنقص منه . فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق ، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم ، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة ، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية ، فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية ، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه . وأما حديث مالك فقال أبو عمر : هو حديث منقطع ، مسلم بن يسار لم يلق عمر بن الخطاب ، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ، وهو أيضا مع الإسناد لا يقوم به حجة ، ومسلم بن يسار هذا مجهول ، قيل : إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري . قال ابن أبي خيثمة : قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا عن زيد بن أبي أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار « لا يعرف » . ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي ( أخبرنا ) محمد بن وهب حدثنا محمد ابن سلمة قال : حدثني أبو عبد الرحيم قال : حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة .